محمد بن جرير الطبري
254
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بكسر السين ، بمعنى : دعوتهم للإسلام لما ارتدُّوا ، وكان ذلك حين ارتدت كندة مع الأشعث ( 1 ) بعد وَفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد كان أبو عمرو بن العلاء يقرأ سائرَ ما في القرآن من ذكر " السلم " بالفتح سوى هذه التي في سورة البقرة ، فإنه كان يخصُّها بكسر سينها توجيهًا منه لمعناها إلى الإسلام دون ما سواها . وإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل في قوله : " ادخلوا في السلم " وصرفنا معناه إلى الإسلام ، لأن الآية مخاطب بها المؤمنون ، فلن يعدوَ الخطاب إذ كان خطابًا للمؤمنين من أحد أمرين : إما أن يكون خطابًا للمؤمنين بمحمد المصدقين به وبما جاء به ، فإن يكن ذلك كذلك ، فلا معنى أن يقال لهم وهم أهل الإيمان : " ادخلوا في صلح المؤمنين ومسالمتهم " ، لأن المسالمة والمصالحة إنما يؤمر بها من كان حربًا بترك الحرب ، فأما الموالي فلا يجوز أن يقال له : " صالح فلانا " ، ولا حرب بينهما ولا عداوة . = أو يكون خطابًا لأهل الإيمان بمن قبل محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء المصدِّقين بهم ، وبما جاءوا به من عند الله المنكرين محمدًا ونبوته ، فقيل لهم : " ادخلوا في السلم " ، يعني به الإسلام ، لا الصُّلح . لأن الله عز وجل إنما أمر عباده بالإيمان به وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به ، وإلى الذي دعاهم دون المسالمة والمصالحة . بل نهي نبيه صلى الله عليه وسلم في بعض الأحوال عن دعاء أهل الكفر إلى الصلح ( 2 ) فقال : ( فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ وَاللَّهُ
--> ( 1 ) هو الأشعث بن قيس الكندين وكان وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة في سبعين راكبا من كندة ثم ارتد فيمن ارتد من العرب . وقاتل في الردة حتى هزم ثم استسلم وأسر وقدموا به على أبي بكر فقال له أبو بكر : ماذا تراني أصنع بك ؟ فإنك قد فعلت ما علمت قال الأشعث : تمن علي فتفكني من الحديد وتزوجني أختك فإني قد راجعت وأسلمت . فقال أبو بكر : قد فعلت ! فزوجه أم فروة بنت أبي قحافة ، فكان بالمدينة حتى فتح العراق . ثم شهد الفتوح حتى مات سنة 40 ، وله ثلاث وستون سنة . ( 2 ) في المطبوعة : " . . عن دعاء أهل الكفر إلى الإسلام " وهو خطأ لا شك فيه ، سبق قلم الكاتب فوضع " الإسلام " مكان " الصلح " ومحال أن ينهى الله نبيه عن دعاء أحد إلى الإسلام والسياق دال على الصواب كما ترى .